Home » بلدية المرسى  :لقمة العيش على حافة الطريق

بلدية المرسى  :لقمة العيش على حافة الطريق

by قلم التحرير


في مدينة المرسى التي تتمركز على ضفاف البحر الأبيض المتوسط ، على مسافة 18 كيلومترا شمال مدينة تونس. حيث تقع وسط المدينة الشاطئية  الأحياء المهمشة « البحر الأزرق » و « بوسلسلة » والتي تعتبر القلب النابض لمدينة المرسى, تمتلئ هذه الأحياء يوميا بالباعة والتجار الذين يعرضون بضاعتهم المختلفة ,والتي تمتد على أرصفة الحي يمنة ويسرة بأسعار زهيدة, يعتبر هذا النوع من الانتصاب أسواقا يقيمها تجار دون دكاكين أو محلات، يأتون بما يحتاجون إليه لعرض بضاعتهم. فخلال صباح كل يوم جديد يثبّتون ألواحا خشبية بقطع حديد مهترئة ، ثم يغطونها ببقايا أقمشة ، ومن ثمة يقومون بتركيز بضاعتهم المتنوعة عليها من خضر وغلال وملابس ومستحضرات التجميل والأثاث وأجهزة كهربائية منزلية، ويختلف هؤلاء التجار في الجنس و السنّ والجنسيات أيضا، حيث أنه إلى جانب التونسيين نجد المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء الذين يتخذون أيضا من الرصيف مصدرا للرزق الذي يؤمن لهم لقمة العيش.

البطالة والانتصاب الفوضوي وجهان لعملة واحدة

 

« الحمدالله على نعمة النصبة لي نستقاط منها » هكذا قال عبد الستار ذو الأربع و خمسين عاما ,وهو أحد الباعة المتجولين يزاول هذه المهنة الشاقة منذ سنوات ولولا الظروف القاهرة التي يعيشها لما جعل منها مورد رزق قارا له و لعائلته. فهو على حد تعبيره لم يختار هذه المهنة الشاقة، وإنما أجبرته الظروف القاسية إلى البحث عن لقمة العيش له ولعائلته بدل البطالة.

ينطلق عبد الستار في عمله صباح كل يوم، انطلاقا من الساعة العاشرة، ويتواصل إلى حدود الساعة السابعة مساء، ليقضي بذلك يومه في استقطاب الزبائن لشراء بضاعته وفي نفس الوقت يأخذ حذره من مداهمات الشرطة البلدية التي يمكن أن تحل في أي لحظة، وخاصة أيام العطل التي تقوم فيها الشرطة بمداهمة الحي الذي ينتصب فيه لنجمع بذلك كل بضائع التجار.

انطلق مشروع عبدالستار في البداية بالأساس ببيع ملابسه و ملابس زوجته وبعض الأثاث، ثم مع تطور المداخيل ورصد ميزانية للمشروع استطاع اقتناء بضاعة جديدة ,وكان يطلب من أبناءه مساعدته خلال ايام العطل وزوجته أيضا، خاصة مع وجود اللصوص في ذلك الحي ,ومع كل ذلك استطاع اليوم اخيرا توفير راتب لأحد مساعديه وهو مصطفى، أحد المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء والذي كان قد استقر في العمل معه منذ سنتين بعد  مسيرة بحث مضنية عن عمل قار.

يستغيث سكان هذه الأحياء من الفقر والبطالة، وهو الأمر الذي جعلهم يختارون هذا النشاط، ليكون لهم دخل مادي قار، كما ان البعض الاخر منهم  حاول ابتكار مشروعه التجاري الخاص بعيدا عن استغلال المشغلين، وفي أغلب الأحيان تكون هذه المشاريع خارجة عن القانون ليلجؤا يذلك للانتصاب بطريقة عشوائية. 

هؤلاء الباعة هم نتاج مجتمع يعاني التهميش أجبرتهم ظروفهم الاجتماعية القاسية على مزاولة هذا العمل فبالرغم من الرقي الذي ينقله البعض عن مدينة المرسى، إلا أن التفاوت الطبقي ووجود فئات تعاني  لايزال قائما خاصة مع ارتفاع معدلات البطالة وأيضا مع  شدة نسبة المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء للبحث عن مورد رزق خال من الاستغلال.

الانتصاب الفوضوي يغزو مدينة المرسى والمتساكنون يتذمرون

لازالت مسألة الانتصاب الفوضوي تشكل عائقا أمام بلدية المرسى، فالى حد الآن لم تستطع إيجاد حلول جذرية لهذا المشكل .

وبناء على أخر المعطيات، عبّر المواطنون عن استيائهم من مظاهر الانتصاب الفوضوي لباعة الخضر والغلال بمختلف الأحياء السكنية والشوارع والساحات بمدينة المرسى وخاصة « البحر الأزرق » و« بو سلسلة » . فقد وجّه العديد من المتساكنين نداء استغاثة لبلدية المرسى بسبب تراكم ظاهرة الانتصاب العشوائي خاصة في ظل غياب وسائل الوقاية والسلامة من الوباء.

« احتلوا المادة  » هكذا رددت آية الهمامي إحدى متساكني منطقة البحر الأزرق، والتي كانت قد كشفت لنا عن تذمرها من هذا الانتصاب الفوضوي ومن السوق العشوائية المتواجدة أمام مدرسة البحر الأزرق و التي أصبح تشكل اختناقا مروريا خاصة في الفترة المسائية .هذا بالإضافة إلى أن منطقة البحر الأزرق تعاني من هشاشة البنية التحتية ليعكر الانتصاب الفوضوي الوضع أكثر لدى المتساكنين .

 

الانتصاب الفوضوي بعدد من الأحياء التابعة لبلدية المرسى

مهاجرو إفريقيا جنوب الصحراء :الهروب من الاستغلال الى الانتصاب الفوضوي

 

مهاجرو إفريقيا جنوب الصحراء هم أيضا أحد التجار بهذه الأحياء السكنية، ولصعوبة توفر مواطن شغل التجأ البعض منهم الى الانتصاب الفوضوي من خلال بيع منتجات طبيعية يصنعونها بأنفسهم بالإضافة إلى بيع الخضر والغلال أو الملابس ، وحلت هذه الظاهرة خاصة بعد أن وجدوا أنفسهم عرضة للاستغلال بأبشع الطرق لدى المؤجرين،  ومنهم خاصة أصحاب المطاعم و الحانات ولهذه الاسباب اختاروا اللجوء لهذا النوع من التجارة كحل كفيل يمكن أن يوفر قوتهم اليومي بعيدا عن الاستغلال خاصة وأن تونس شهدت تدفقا ملحوظا لللاجئين من إفريقيا جنوب الصحراء في السنوات الأخيرة .

 

 

 

غرافيك لنسبة المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء في تونس

 

تعمل العديد من المنظمات الدولية والمحلية والجمعيات على إيجاد حلول تدعم حقوق المهاجرين في تونس ودمجهم في النسيج المجتمعي, منهم خاصة الوافدين من دول إفريقيا جنوب الصحراء ليكونوا جزءا من الطبقة الشغيلة بتونس.من ضمن هذه الجمعيات نتحدث  عن جمعية باي الحوم، وهي أحدى الجمعيات المتمركزة في منطقة البحر الأزرق التابعة لبلدية المرسى خاصة وأن هذه المنطقة شهدت ارتفاعا لنسبة اللاجئين من إفريقيا جنوب الصحراء و كانت لهذه الجمعية أثرا ملموسا في مساعدتهم على الاندماج مع التونسيين و كذلك لتمكينهم من معرفة حقوقهم الاقتصادية.

منسق جمعية باي الحوم فيما يخص الانتصاب الفوضوي بمنطقة البحر الأزرق

 

البحر الأزرق  » صيحة فزع لتقنين السوق الأسبوعية « 

تتمركز بمنطقة البحر الأزرق سوق على مدار أسبوع , تخنق حركة السيارات والمارة خاصة التلاميذ، حيث اختار بعض التجار استغلال أرض بيضاء موجودة أمام المدرسة الابتدائية بطريقة غير قانونية وهو ما شكل إزعاجا للعديد من المتساكنين . فالعديد من متساكني المنطقة طالبوا مرارا بتنظيم السوق حسب الأطر القانونية . لكن لم تقدر البلدية على توفير ذلك المطلب مما اضطر التجار للانتصاب بهكذا طرق، ليتضح فيما بعد أن هذه الأرض على ملك إحدى المتساكنات بالمنطقة وهو ما خلق إشكالا عجزت بلدية المرسى عن حله خاصة وأن البلدية لم تستطع توفير أرض ملائمة للسوق الاسبوعية بتلك المنطقة .

الى جانب السوق تفاقمت ظاهرة الانتصاب الفوضوي في البحر الأزرق خاصة مع ارتفاع نسبة البطالة بذلك الحي « الناشئ« . فعلى مدار الأسبوع نجد الأكشاك يمنة ويسرة وهو ما يتسبب في بعض الأحيان في شلل لحركة السيارات خاصة وأن الطرقات بالمنطقة غير معبدة وهو ما زاد حالة الاحتقان لدى المتساكنين، ما دفعهم إلى التوجه بنداء استغاثة لبلدية المرسى لتوفير سوق مخصصة لهؤلاء الباعة.

وقد عبر العديد من الأهالي عن قلقهم إزاء هذه الظاهرة خاصة وانها تزعج تلاميذ مدرسة البحر الأزرق

وهذا ما صرحت به سلوى حمدي « بنتي معادش مركزة برشا حس على مدى أسبوع« 

وأضافت بأن الحلول غير واردة مع بلدية المرسى حيث حاول العديد من الأهالي التواصل مع البلدية لإيجاد حلول لهذا المشكل الذي ارهق التلاميذ لسنوات لكن دون جدوى .

بلدية المرسى عاجزة عن إيجاد حلول

الانتصاب الفوضوي هو نتاج لظلم تعانيه فئة مهمشة من المجتمع يعاني من أرباب أعمالهم اختار بعضهم البحث عن لقمة العيش على قارعة الشوارع وصاروا تجار متجولين بعد ان رفضتهم السلطة والمحلات التجارية و البلدية معا لكن لازالوا يقاومون من أجل لقمة العيش الكريم .

فرغم ارتفاع ميزانية بلدية المرسى إلا أن العديد من الأحياء لازالت تعاني من الانتصاب الفوضوي وهو نتيجة البطالة والتهميش إذ تفتقر العيدي من الأحياء لأساسيات المعيشة خاصة البحر الأزرق الذي لم يظهر إلا بعد الثورة وشهد هذا الحي التهميش على عديد المستويات إذ مضى على ضهوره أكثر من عشر سنوات إلا أن مطالبه لازالت حبرا على ورق .

رغم أن الانتصاب الفوضوي يغزو مدينة المرسى وخاصة منطقة بوسلسلة و البحر الأزرق لكن البلدية لم تستطع أن تجد حلول بديلة للحد من هذه الظاهرة التي أقلقت متساكني المنطقة وهذا ما أكدته رئيسة دائرة البحر الأزرق زهور قريرة .

رئيسة دائرة البحر الأزرق « البلدية عاجزة عن إيجاد حلول« 

 

من جهة أخرى عملت بلدية بنقردان منذ سنة 2019 على الحد من ظاهرة الانتصاب الفوضوي حيث تم حصر الانتصاب الفوضوي بمنطقة معينة بعيدا عن المارة كما تم تخصيص 570 ألف دينار لتهيئة سوق أسبوعية « سوق بنقردان » الشمالية و أيضا بلدية المحمدية نسجت عن هذا المنوال الناجع خاصة بعد تلقي عدة تشكيات من المواطنين.

تعاني البلاد التونسية من ظاهرة أزعجت المتساكنين و الباعة على حد سواء خاصة وأن هذه الفئة تعاني التهميش ولكن تبقى الحلول محدودة فقليلة هي البلديات التي عملت على حل مشاكل الانتصاب الفوضوي المتفشية بالكثير من الأحياء منها بعث مشاريع سوق يومية أو أسبوعية مخصصة لهؤلاء الباعة ولما لا تكون هذه الأمثلة تنسج على منوالها بلدية المرسى .

 

You may also like

Leave a Comment