Home » حي الطابونة » المرسى : سكان « الهوامش » وسوسيولوجيا نكران السلطة

حي الطابونة » المرسى : سكان « الهوامش » وسوسيولوجيا نكران السلطة

by قلم التحرير


هي منطقة ساحرة بالضاحية الشمالية ،شهرت باسم مدينة السعادة ، وجهة للتونسيين والأجانب، تألقت منذ سنوات بسحر بناياتها ومياه بحرها العذبة ،مقهى الصفصاف العتيق ،قبة الهواء ،قصر السعادة أماكن الألفة والسهر التي يفضلها روادها لتعيد لهم تاريخ « تونس الزمنية » والزمن الجميل

مدينة المرسى وأنت تسير في أزقتها يسحرك هدوئها ونسيمها العليل فتنبهر ببناياتها العالية وأحياءها الراقية الخلابة وسياراتها الفارهة ولكن بين ثنايا الطريق المخملي والروائح الزكية وحين تتجاوز بعض الأسوار الشاهقة والأشجار الفارهة ، ستجد الحي السكني الصغير « حومة الطابونة » الحي الشعبي الذي عرف « بخبز الطابونة » وأنت تجوب أزقته ستشعر بدفئه و بشاشة سكانه، ستملأ أنفك رائحة الخبز الطازج اللذيذ.

ولكن سرعان ما ستتلاشى الصورة المخملية حين تكتشف حجم معاناة أهالي هذه المنطقة، فرغم لذة خبزه الا أن مرارة العيش داخله تفوق قدرة سكانه حتى الأطفال منهم.

« حي الطابونة » هي تسمية سكانه لكن في التقسيم البلدي يدعى نهج دجيبوتي ،نشأ منذ سنوات بين الأحياء الراقية ليكون المهمش بينهم إذ لم يحظى حتى اليوم بتهيئة عمرانية كغيره من الأحياء المجاورة. ويظهر ذلك في طريقه الوعرة وإنارة أزقته الخافتة والتي تنعدم في أغلب الأحيان أما بالنسبة لمتساكنيه فأغلبهم يعيشون ظروف مادية ونفسية صعبة وانعكس ضعف المستوى الاجتماعي المتواضع على أبناء متساكني هذا الحي الذين ينقطع أغلبهم عن الدراسة في سن مبكر، وقد يصل بعضهم للانحراف والانخراط في سلك الإجرام رغم صغر سنهم. فهل تعمدت بلدية المرسى حرمان سكان « حومة الطابونة » من حقوقهم؟

« نحن سكان العشوائيات لا يهتم لأمرنا أحد« 

عرفت مدينة المرسى بالاختلاف على مستوى المعيشة سواء كان على مستوى طبقاتها الاجتماعية الغير متوازنة أو على مستوى الأحياء و المدخول الفردي والمستوى المعيشي لمتساكنيها وأصبح ذلك جليا في السنوات الأخيرة مع « غزو » البناء الفوضوي للمنطقة.

ففي كل صباح باكر تقوم « بشرة » و « قمرة » بإشعال الحطب للفرن لتحضير كمية من الخبز وذلك بعد اقتناء بقايا خشب من إحدى مصانع الأثاث المجاورة للحي.

مهنة شاقة زاولنها منذ بداية نشأة هذا الحي الى اليوم ،فصنع « الطابونة » يشكل القوت اليومي لهن منذ سنوات ،وهذا الحي هو وجهة لمتساكني المرسى في شهر رمضان يصطافون أمامه عشاق الخبز الطازج الذي اشتهر الحي بفضله لاقتنائه اثر إعداده مباشرة  إذ يعتبر البعض ان هذه المنطقة من العشوائيات التي لا يهتم لها المسؤولون ولا يعتبرونها تابعين للمنطقة البلدية،حسب ماذكرته قمرة صانعة خبز الطابونة.

إذ أن « حومة الطابونة « هي أحد المباني الفوضوية التي تذكر فقط في الحملات الانتخابية البلدية والبرلمانية، هو حي الطابونة ،حتى أنه يصبح لمتساكنيها قيمة كبيرة تنتفي لحظة صدور نتائج الانتخابات، ،يسكنه حوالي 200 مواطن ومواطنة فهو غير موجود في احصائيات بلدية المرسى التي لم تحين منذ سنة 2014

وباتصالنا برئيس بلدية المرسى معز البوراوي اكد لنا أن غياب الإنارة يشكل خطرا على المتساكنين خاصة الأحياء المماثلة لهذا الحي وهو يمس من أمن المواطنين « البلدية تعمل على إيجاد حلول جذرية لمشاكل الإنارة ،أما بالنسبة لتعبيد الطرقات في الحي فيبقى مرتبط بمشاركة المواطن في اجتماعات المجلس البلدي ، خاصة مع برنامج الاستثمار التشاركي الذي نهتم فيه بتشكيات المواطنين الحاضرين في المجالس لمعرفة مشاكل أحيائهم أولا  و الأولوية في هذا البرنامج للمطالب الموجودة لدى المجلس البلدي وهم لم يقدموا شكاوى في هذا الموضوع  » ولدى سؤالنا السيد معز البوراوي هل طلبت البلدية من سكان حي الطابونة المشاركة في الجلسات أو حاولت التواصل معهم أكد أن المشاركة تكون بمبادرتهم أولا وانه لم يتواصل معهم أبدا.

لكن اكتشفنا لدى تواصلنا مع سكان الحي أنهم لا يعرفون أبدا ان من حقهم المشاركة في الجلسات البلدية ومناقشة مشاكلهم مع أعضاء المجلس.

سوسيولوجيا الشعور بنكران الدولة

وأنت تتجول داخل الحي ستعترضك الحفر التي تغزو طريقا غير معبد تآكلت طياته ،طريق تملؤه التشققات صيفا والأوحال شتاء ،طريق لا نور فيه ،تملؤه الفضلات المنتشرة في كل مكان « قدمنا شكوى بلدية المرسى حتى يؤمنوا لنا حاويات لكن دون جدوى « هكذا صرح أشرف أحد سكان المنطقة المعطلين عن العمل مضيفا «اغلب سكان الحي عاطلون عن العمل ،النساء تعملن في الطابونة والرجال اغلبهم يمتهن « المرمة » أما الشباب والأطفال فقد سلكوا منعرجا بالغ الخطورة إذ يتعاطى بعضهم مادة القنب الهندي منذ الصغر

الى جانب عمليات نشل وسرقة في الطرقات وزاد انعدام النور في الحي من تماديهم في ذلك« 

حاولنا معرفة ما إذا كانت لجنة الشؤون الاجتماعية والتشغيل وفاقدي السند وحاملي الإعاقة ببلدية المرسى على دراية بوضعية الأطفال والعائلات من خلال التواصل مع رئيسها سليم زلطني إلا أن كل الجهود الحثيثة ذهبة سدى نظرا لعدم تجاوبه معنا.

ومن جانبه أكد رئيس بلدية المرسى أن ذلك من مشمولات إدارة الشؤون الاجتماعية بالمرسى التابعة لوزارة المرأة و الأسرة و الطفولة .

ولكن بالعودة إلى تعريف اللجان البلدية فان لجنة الشؤون الاجتماعية والتشغيل وفاقدي السند وحاملي الإعاقة مهامها انجاز عمليات الإحصاء والتشخيص وجمع المعطيات في مجالات عملها بما يسمح بصياغة البرامج والمشاريع البلدية لغاية النهوض الاجتماعي بالمتساكنين.

وفي هذا الإطار السياق يرى الباحث في علم الاجتماع معاذ بن نصير « أن أغلب ولايات الجمهورية التونسية عاشت منذ بناء الدولة الوطنية الحديثة بعيد الاستقلال نوعا من التقسيم القائم على التمايز بين الأحياء ، و يعود ذلك إلى عدة أسباب لعل من أهمها أن الأحياء الراقية قد استوطنها أصحاب الجاه و المال و النفوذ السياسي (البلدية و أعيان البلاد) و غيرها من التسميات التي تُكرّس الطبقية و اللا عدل بين أبناء و سكان المنطقة و الإقليم الواحد« 

فالإشكال الأعمق حسب الباحث في علم الاجتماع أن هذا التمايز قد خلق في المقابل أحياء أخرى مهمشة يعيش متساكنوها على هامش الهامش  » هذا الهامش تواصل لمدة طويلة قد تتجاوز في بعض الأحيان خمسون عاما ، و الملاحظ أن سكان هذه الأحياء لا يتمتعون بأسط مرافق الحياة » ولعلّ حي الطابونة بالمرسى أفضل مثال على ما ذكره معاذب نصير ، فهذا الحي يعاني من تهرّم البنية التحتية و غياب الإنارة و البناء الفوضوي ، زد على ذلك يشكو الحي من ارتفاع منسوب العنف لدى شبابه و أبنائه و هذا يفسر حسب بن نصير « سوسيولوجيا الشعور بالنكران من الدولة » كلام أكده احد ابناء الحي قائلا  » الدولة ماتعتبرناش مواطنين » وكل الحكومات ناكرة فينا تقول علينا مش ولاد تونس« 

فالاحساس بعدم الانتماء ينمي لدى شباب الحي الشعور بالإقصاء و التهميش.

طفولة في خطر

عند دخول الحي وحتى عند مغادرته ستلاحظ حتما أطفاله المجتمعين بصفة قارة أمام أسوار زينتها خربشتاهم السوداء اللون ذات الأحرف المبهمة ، يتكئ بعضهم على بعض للاحتماء من البرد ،ملامح وجوههم شاحبة وأجسادهم نحيلة تكاد تبرز عظامها من ملابسهم الرثة .

وقد عبر بن نصير في نفس السياق أن « التنشئة الاجتماعية الصعبة و القاسية للأطفال داخل هذا الحي قد انعكست على سلوكهم اليومي ، فهؤلاء الفتية قد نشأوا على صور تعيسة و على غياب المرافق الاجتماعية داخل الحي ، و على بيئة و أرضية تعتبر قاسية نوعا ما فالمعاناة الاجتماعيّة ترتبط بصورة متآكلة عن الذات، وتستبطن الخصاصة والهشاشة الاجتماعيّة بوصفهما قصورًا ذاتيًّا وعلامة على الفشل الاجتماعي إلى الحد الذي يشعر فيه البعض في ظلّ البطالة، بـالوصم الاجتماعي، ويتزايد هذا الاحساس خاصة عندما يشعر هؤلاء الشباب، بأنّهم موضع شكّ دائم عند الآخرين، خصوصًا عند أعوان الامن  » .مضيفا أن إعادة تشكّل الروابط داخل الحيّ الشعبي، وفق ما يسميّه بـ« القبائل الحضريّة الجديدة« ، أو « مجموعات انتماء شعوريّة » التي يندرج ضمنها « الحيطست« ، أو المتجهون نحو الجماعات السلفيّة، إلى جانب المجموعات التي تعبّر عن نفسها عبر الراب والغرافيتي فالشارع بالنسبة لهؤلاء الشبان مكان عبور او هروب، حيث يستطيعون ممارسة نوع من السلطة على أنفسهم وعلى محيطهم« .

فتلك الخربشات يهدف الشباب من خلالها إلى ترك « إمضاءاتهم » على الفضاء العام، في ما يشبه الرغبة بلفت الانتباه، وتأكيد الحضور بشكل واضح في ظل عدم الاعتراف بهم

و بحيهم من قبل الدولة.

لازال حي الطابونة يفتقر لأساسيات التهيئة العمرانية رغم انتمائه لمدينة « السعادة » وضل شعور عدم الانتماء محيطا بأطفاله حد الاختناق،غادرنا الحي وقد وعدنا الأهالي بتقديم شكاوى إلى المجلس البلدي كنا قد ساعدناهم في طريقة كتابتها،وفي انتظار ذلك يبقى تغيير حياة سكان« حي الطابونة » رهين الشعور بالمسؤولية من قبل بلدية المرسى

تولد المعجزات من رحم المعاناة هكذا ردد عمر الزغباني أحد سكان « حومة الطابونة » الذي تحدى كل العقبات ليصنع طريقا سليما من واقع مرير لحياة أفضل له و لما لأبناء حيه .

You may also like

Leave a Comment